ابن رشد
26
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
إلى تأويلها بما يبعد عنها أية مشابهة بين الله ومخلوقاته متخذين من قوله تعالى " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " ، الآية المحكمة التي يجب أن ترد إليها الآيات التي تفيد في ظاهرها نوعا من التشبيه والتجسيم والتي يعتبرونها من المتشابهات . هذا من جهة ومن جهة أخرى كان المعتزلة قد ورثوا من أسلافهم الذين وقفوا في وجه عقيدة " الجبر " التي كرسها الحكام الأمويون مبدأهم الثاني : " العدل " الذي يقضي بأن الله لا يفعل إلا الصلاح والأصلح ، وأن الشر بجميع صنوفه وألوانه هو من الإنسان لا من الله ، وأن الإنسان بالتالي حر مختار " خالق لأفعاله " مسؤول عنها وأنه سيجازى عما فعل ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، وأن ذلك هو وعد الله ووعيده ، والله لا يخلف وعده ولا وعيده . ومع أنهم كانوا يستندون في كل ذلك إلى آيات من القرآن فضلا عن حججهم العقلية فلقد كان هناك دوما مجال لمعارضتهم بالاستناد إلى آيات أخرى يفيد ظاهرها عكس ما كان يقرره المعتزلة ، مثل تلك التي تنسب الفعل كله لله وتسلب المشيئة والاختيار عن الإنسان ( ومناظرة الأشعري مع أستاذه حول مصير الصبي تدخل في هذا الإطار ، إذ يبدو الصبي لا إرادة له ولا اختيار الخ . . . ) . وهكذا فبقدر ما ارتفع المعتزلة بفكرة الألوهية إلى أسمى الدرجات ( التوحيد والتنزيه ) بقدر ما ابتعدوا بها عن أفهام الجمهور وظاهر النصوص . وأيضا فبقدر ما سموا بالعدل الإلهي إلى أرفع الدرجات بقدر ما بدا أن ذلك يتعارض مع فكرة أن الله حر حرية مطلقة يفعل ما يريد وقادر على كل شيء ، وكأن الحرية والقدرة لا يمكن أن تنسبا للإنسان إلا على حساب الطابع المطلق للحرية والقدرة الإلهيتين . من هنا يبدو أبو الحسن الأشعري - تاريخيا إن لم يكن شخصيا - وكأنه ثار على مذهب المعتزلة لينشئ مذهبا " وسطا " يريد إقامة " التوازن " بين الطرفين : بين التنزيه الذي يقتضيه " العقل " لمواجهة أصحاب الاثنين والقائلين بالتثليث والمجسمة بمختلف أصنافها ، وبين كثير من آيات القرآن التي لا يستقيم إيمان الجمهور ولا تتوطد العقيدة في نفوسهم إلا بأخذها على ظاهرها ، من جهة ، وبين حرية الله وقدرته المطلقتين وبين درجة ما من الحرية والقدرة لا بد من نسبتهما للإنسان لجعله " يكسب " أعماله ويتحمل مسئوليتها ، من جهة أخرى . إنها فكرة " الكسب " التي جعلها أبو الحسن الأشعري بديلا لحرية الإرادة و " خلق الأفعال " . تلك هي الصورة التي يقدمها لنا ابن خلدون عن أبي الحسن الأشعري ودوره التاريخي في تطوير عقيدة أهل السنة التي كانت تقوم على الاقتداء ب " السلف " ، الذين صرح الكثير منهم بصدد الآيات التي تفيد التشبيه : " اقرءوها كما جاءت ، أي آمنوا